رواية لم يبقى لنا الا الوداع

بادلتها منار النظرات بحزن لِوهلة قبل أن تشيح بوجهها فَدمعت عين نهلة حزيًا من ذنبها، وفجأة لاحت أمام صورة شقيقتها عفاف فَمسحت دموعها وأردفت:
– طيب إيه رأيك لو كلمت عفاف وطلبت منها تنزل أجازة ونخليها تحاول تتفاهم مع بابا و…

ربتت منار كتفها وأردفت بوهن:
– سيبي عفاف فِحالها يا نهلة وكفايه اللي هي فيه ومتنسيش إن ظروفها بقت متكعبلة بعد حماتها ما راحت قعدت معاهم وباعت شقتها هنا، فَمش هيبقى الغربة وأولادها وحماتها ونقوم مزودين عليها الحِمل باللي عملته، وبعدين أنا فعلًا أستحق أي حاجة حصلت علشان غلطت لما غمضت عيني عن الحلال وسمحت لشيطاني إنه يوجهني.

نكست منار رأسها وأضافت بِانكسار:
– أنا بس اللي مش قادرة اتحمله ووجعني كسرة بابا بسببي وإنه اخدكم بذنبي وجمد قلبه عليكم، حتى رنا اللي كانت روحه فيها ودايمًا يقعد يتكلم معاها بطل يقرب منها، وهي بقت بتخاف منه لدرجة إنها لما بتسمع صوت زعيقه بتترعب ومبقتش بتقدر تتحكم فِنفسها.

ازدادت شفقة نهلة وحزنها على شقيقتها فَهي تُحمل نفسها الذنب كاملًا وتزيد بمعاقبة نفسها يومًا بعد يوم والآن ترفض الزواج من حبيبها بعد معاناتها تلك فأسرت إليها بما يجول بخاطرها:
– بس أنتِ كده بتحملي نفسك فوق طاقتها وممكن يجي عليكِ وقت توقعي من كتر ما بتضغطي على نفسك، فَحاولي تخففي شوية الحِمل عن نفسك وتبطلي تعاقبي حالك على كل حاجة وتحرمي نفسك من اللي بتحبيه علشان تكفري عن الذنب، يا منار أنتِ حتى كتب الكتاب عايزة تلغيه؟

هزت منار رأسها وأجابتها بخزي:
– بس أنا مش بعاقب نفسي فِموضوع كتب الكتاب يا نهلة، أنا رفضت لأني حسيت إني زي ما أكون عملت جري\مة لا تغتفر وبَستخبى بجوازي منها، وشوفت اليوم اللي المفروض يكون أسعد يوم فحياتي أتعس يوم، يا نهلة بابا فِلحظة حسسني إنه هَيكتب كتابي فِالسر علشان يستر عاري وأنا لو حصل واتجوزت أمجد بالطريقة دي عمري ما هعرف ارفع عيني فوشه، ودايمًا هحس إني صغيرة فِنظره وإنه اتجوزني علشان يصلح غلطة مش أكتر، علشان كده أنا عندي أستعداد اتعاقب بأني أتحرم من أمجد بس متجوزهوش بالطريقة دي يا نهلة.

أجهشت منار في البكاء بين ذراعي شقيقتها ولم تر والدها الذي انسحب من أمام غرفتها وهاتف أمجد الذي استجاب سريعًا لاتصاله وهو يتلفت حوله بحذر وأنصت لحديث شُهدي بوجه مقطب، وحين طال صمته ابلغه بموافقته مُرغمًا وألقى هاتفه أرضًا ولعن حظه فهو اعتمد على حالة الخصام بين شُهدي ومنار ليتمم عقد قرانه منها دون جلبة، والآن وبعد اتصاله بات عليه ترتيب احتفال لِعقد القران وإشهاره، شد أمجد شعره وكاد يصرخ ويلعن شُهدي ومُفاجآته وأطاح أمجد بالطاولة الصغيرة من أمامه بغضب، ولكنه سرعان ما تمالك نفسه وغادر غرفة نومه لِيصطدم بليان التي أتت فور سماعها صوت جلبة فاحتضنها أمجد وقبل وجنتها مُردفًا:
– أهدي يا لولي محصلش حاجة كل الحكاية أني مأخدتش بالي واتخبطت فالترابيزة فوقعت.

راقبت ليان ملامحه وأنفاسه المهتاجة وتهربه بعينه من النظر إليها وحاولت سبر أغواره التي للمرة الأولى تُدرك عمقها وغموضها، فبعد مواجهة أبناء عمومتها له ولوالدها وصدامهم الكارثي، علمت أن الأمر لن يمر مرور الكرام لِمعرفتها بطبيعة زوجها الحساسة واعتزازه الشديد بكرامته ورفضه أي إهانة، والآن وبعد سماعها صوت سقوط الطاولة تأكدت من محاولته إخفائه استيائه وغضبه عنها وتأثره بِكلماتهم السامة واتهامهم له بالجشع والطمع، ولكم تخشى الآن ردة فعله بأن يقرر إثبات حُسن نوياه بابتعاده عنها ليحفظ كرامته من الإهانة، فأسرت إليه بمخاوفها قائلة:
– بصراحة أنا خوفت أحسن تسيبنِي بعد اللي حصل من قرايب بابا فحقك علشان تثبت لهم أنك مش طمعان فيا ولا فمال بابا زي ما اتهموك و..

منعها أمجد من إضافة المزيد وأحاط وجهها بكفيه وأردف:
– ليان أنا يوم ما اتقدمت لك وِطلبت أيدك للجواز كنت عارف إن أي حد هيعرف بطلبي هيقول على طول أني طمعان فِفلوس والدك، وقرايب عمي زيهم زي غيرهم من الناس تفكيرهم السيء بغيرهم واحد، ولعلمك أنا بعد ما طلبت إيدك ووافقتي عمي فهمني نواياهم وبسبب كلامه وخوفه من اللي عرفه عنهم قررنا أننا نتجوز بسرعة ومن غير فرح، علشان محدش فيهم يحاول يأذيكِ أو يتطاول عليكِ وعلى عمي، ولعلمك أنا لسه عند اتفاقي آخر الشهر هاخدك ونسافر رحلة شهر عسل تعويضًا عن الفرح اللي اتحرمتِ منه.

تعلقت ليان بعنقه وقبلت شفتيه وابتعدت وعيناها تغرق بعينه وأردفت:
– أنا مش عارفة هحبك أكتر من كده إيه؟ تعرف أني لحد اللحظة دي مش مصدقة أني مرات أمجد المُشير اللي ساب بنات الدنيا بحالها وأختارني أنا وحبني.

حملها وعاد إلى غرفتهم وجلس فوق فراشه وأجلسها فوق ساقيه وضمها بين ذراعيه قائلًا:
– لو على الحلم فأنتِ كنتِ بالنسبة لي نجمة عالية فالسما كنت ببص لك وأقول معقول النجمة دي ممكن تقبل بواحد فقير وعايش لوحده زيـ…

انتشلت ليان نفسها من بين ذراعيه ووضعت يدها فوق شفتيه وهتفت:
– أوعى تقول على نفسك فقير تاني لأنك أغني مني بحبك ليا وبأخلاقك وبكل حاجة فيك، ولو على الفلوس فأنا وكل ما أملك رهن إشارتك وسيب اللي يقول يقول لأني واثقة فيك.

—

فاجأ أمجد شُهدي بصباح اليوم التالي بوقوفه أمامه حاملًا علبة فاخرة وباقة من الزهور وسلمه إياها وهو يحاول تفادي النظر إليه قائلًا:
– ممكن يا عمي تقبل مني الهدية دي لِمنار وبعد إذنك أنا سمحت لِنفسي واتفقت مع محل الفِراشة علشان يبعت العمال تعلق نور بطول العمارة من فوق لتحت وكمان فالشارع كله، وبالنيابة عنك عزمت جيرانا وقلت لهم إن كتب كتابي على منار بكرة بعد المغرب إن شاء الله، وبالنسبة للمأذون فأنا كلمته واتفقت معاه على كل حاجة بس في حاجة واحدة باقية طالبها من حضرتك واتمنى متكسفنيش فيها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *