رواية لم يبقى لنا الا الوداع

عقد ضياء حاجبيه وسألها بدهشة:
– إيه الكلام الفارغ دا يا ليان وحشة إيه وأخلاقك إيه اللي بتشككي فيها وعيوب إيه، بصي يا بنتي واضح كده إن في حاجة أنتِ مخبياها وطالما اْتكلمتِ يبقى أحكي علشان أفكر معاكِ ونشوف حل.

خفضت ليان عينيها لتخفي دموعها عنه وهزت رأسها بالإيجاب فمد ضياء يده ورفع وجهها وهاله رؤية دموعها فضمها بخوف بين ذراعيه يتمنى لو بإمكانه إخفائها عن العالم ليحافظ عليها ويحميها، وانفطر قلبه عليها فتلك هي المرة الأولى التي تنهار ابنته منتحبة وكأنها في مصابٍ بليغ، وبعد نحو الدقيقة ابتعدت ليان عنه ومسحت دموعها بعشوائية وأردفت:
– أنا مكنتش عايزة أنهار بالشكل دا لأن حضرتك عودتي أواجه وأخد حقي بقوة بس لأول مرة أحس أني ضعيفة لدرجة مخيفة ومش من دلوقتي عندي الإحساس دا، لا أنا حسيت كده من بعد ما رجعنا من رحلة شهر العسل.

ازداد تجهم ضياء وعقب على قولها:
– بس الرحلة دي كانت من حوالي تلت سنين يا ليان معقول يا بنتي حسيتي بكده وفضلتِ كاتمة جواكِ، طب ليه وعلشان مين؟

اِحتشى قلبها بألم لم تتحمله ولكنه كتمت تأوها وأجابته:
– علشان أمجد يا بابا علشان بحبه ومش قادرة أتخيل حياتي من غيره فمبقتش قادرة أرجع ليان القوية بتاعت زمان، أنا مبقتش عارفة أنا مين ولا عايشة ليه وبقيت بسمع عقلي وهو بيقول إني ضيعت أحلى سنين من عمري علشان أرضي أمجد وأني رميت طموحي وأحلامي ورا ضهري علشان أشتريه، أنا مكنتش عارفة إن الحب ممكن يذل صاحبه لدرجة أنه يقبل يكون تابع علشان يسمع كلمة حلوة؟ وبقيت بفكر ليه لازم اقتل روحي وأدوس على كرامتي علشان يرضى عني؟ لدرجة أنها وصلت معايا أني بقيت أسأل هو ربنا خلقني بنت علشان أعيش في ضل راجل وخلاص ويبقى دوري بس أني أسعده فِالسرير وأسمع كلامه وأطيعه وأقيد له صوابعي العشرة شمع؟ أنا أنا تايهة يا بابا وحاسة إن عقلي هيشت مني.

اتسعت عين ضياء، وَكأن صاعقة ضربته، وأطاحت به فراقبها بذهول ولِوهلة تساءل أحقًا تلك ليان ابنته التي كانت مفعمة بالحيوية والحياة، الزهرة الندية التي أبهجت حياته لا، حتمًا هناك خطأ حدث بغفلة منه فهو يرى شبحًا منهكًا يحاول الصمود! صرخ بجزع وهاجمته الوساوس أن يكون لأمجد دخلًا، وأنه رماها بيده إلى الجحيم عوضًا عن حمايتها، هل يعقل أن يكون ما رآه منه مجرد زيف وخداع يخفيه بقناع يضمر أسفله الشر له وَلِابنته؟ تاه ضياء كما تاهت ابنته، وأحس بعقله تجمد أمام نحيبها ونظراتها المشتتة لينتبه لِصرختها الملتاعة تقول:
– حتى حلمي أني أكون أم معرفتش أحققه، حاولت بس كل محاولاتي إني أخلف من أمجد فشلت، روحت لدكاترة، وعملت تحاليل وأشعة، وأخدت أدوية ووصفات، أنا عملت كل حاجة ممكن تتخيلها علشان يكون لي ابن وفشلت، واللي هيجنني إن أمجد ولا مرة اشتكى، ولا حتى قال كلمة واحدة تجرحني بس المشكلة أني بشوف السؤال فعينه، وهو ساكت وبيبص لي، بحس فكل لمسة منه ليا إنه بيلمسني غصب عنه، أنا حتى بقيت بشوف تصرفاته اللي الناس بتحكي وتتحاكى عنها، وتشهد إنه بيموت فيا وفي التراب اللي بمشي عليه مجرد رياء، وللأسف الخوف والظنون محوطاني من كل ناحية ومش حاسة بالأمان.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *