خبأ بقى كاميرات المراقبه
لم يكن تياغو كارفاليو يتخيل يوما أن أقسى صوت في حياته لن يكون صرير المكابح في ذلك العصر على طريق مارغينال بينييروس بل الصمت الذي تلاه. صمت كثيف لزج تسلل عبر شقوق قصر ساو باولو وبقي هناك جالسا على الأرائك مختبئا خلف الستائر يتنفس داخل كل غرفة. منذ رحيل فرناندا عاش تياغو كأن البيت متحف لحزنه ناصع من الخارج مكسور من الداخل. كان يستيقظ عند الخامسة صباحا دون منبه يطارده الكابوس نفسه وكأنه عقوبة تتكرر الشاحنة الخارجة عن السيطرة الاصطدام الصرخات ثم الفراغ. كان يفتح عينيه ولثانيتين مباركتين يصدق أنه كان مجرد حلم. ثم ينظر إلى طرف السرير الآخر حيث كانت فرناندا فتسقط الحقيقة عليه كجدار. نهض لأنه لم يكن يملك خيارا. ابنته أليس كانت كل ما تبقى من ذلك الحادث. كانت في الشهر الحادي عشر من عمرها حين وقع كل شيء. تحدث الطبيب عن إصابات في العمود الفقري وعن أعصاب متضررة وعن كلمات لم يكن تياغو يريد أن يفهمها. لكنه فهم جملة واحدة كأنها وشمت على جلده قد لا تمشي أبدا. امتلأ البيت بالمعدات والكراسي المكيفة والألعاب التي لم تعد تمنح الفرح ذاته. قبل الحادث كانت أليس تتحرك كأي طفلة تركل ساقيها تلتف لتصل إلى قدميها وتضحك حين كانت فرناندا تقبل بطنها. بعده بدت ساقاها غريبتين عنها كأنهما تعودان لطفلة أخرى. كان تياغو يحمل ابنته بين ذراعيه ورغم أنها كانت خفيفة كالريشة فإنها كانت تثقل عليه بثقل العالم كله. كانت الشهور الأولى مزيجا من اجتماعات عمل وزجاجات حليب عقود بملايين الدولارات وحفاضات. حاول تياغو أن يكون شخصين في وقت واحد رائد أعمال تقني لا يستطيع إيقاف شركته وأبا لا يستطيع إيقاف حزنه.
اقترح عليه شركاؤه بلطف أن يأخذ إجازة. كان يبتسم ويقول نعم سأفكر في الأمر لكنه في أعماقه كان يعرف الحقيقة العمل هو الشيء الوحيد الذي يبقيه حيا. لو توقف لابتلعه الحزن. وكان هناك أيضا الآخرون الموظفون الذين يأتون ويذهبون. الأولى غادرت بعد ثلاثة أيام وقالت إنها لم تكن مستعدة. الثانية حين رأت أليس تبكي وقائمة مستلزمات الرعاية قالت إنها تمر بمشكلة عائلية واختفت. الثالثة صمدت أسبوعا. الرابعة أسبوعين. الخامسة رحلت ودموعها في عينيها وهي تقول عبارة ظلت عالقة في تياغو يا رب لا أستطيع تحمل هذا. كل استقالة كانت كأنها فعل تخل جديد. ليس عن أليس فقط بل عن الأمل نفسه. لهذا حين رن جرس الباب صباح ذلك الثلاثاء بالكاد نهض تياغو. ظنه ساعيا أو طردا أو أي شيء. لكن عندما فتح الباب رأى شابة نحيلة شعرها الداكن مربوط إلى الخلف في ذيل حصان بسيط. كانت ترتدي بنطال جينز باهتا وقميصا أبيض نظيفا على نحو يكاد يتحدى العالم. كانت في نحو الخامسة والعشرين ولها عينان لا تطلبان الإذن كي تكونا عينان فيهما عزيمة هادئة. قالت بلهجة ريفية أنا هنا من أجل الوظيفة رأيت الإعلان. تأملها تياغو من أعلى إلى أسفل بريبة علمها له الألم. في داخله كان صوت يكرر لا تثق بها. وصوت آخر يرد لكنك تحتاج إلى مساعدة. أدخلها. شرح لها بفظاظة صادقة زوجته ماتت طفلته مشلولة وهو بحاجة إلى صبر وانتباه دائم وعاطفة حقيقية. أخبرها أنه مر بكثير من الموظفات قبلا وأنهن كلهن رحلن. وأخبرها أيضا الحقيقة التي لم يجرؤ على قولها بصوت عال أنه لا يعرف كم يستطيع أن يحتمل بعد الآن. استمعت الشابة بصمت دون أن تقاطعه دون شفقة أو خوف. اكتفت بأن أومأت. ثم سألت هل يمكنني رؤيتها في الغرفة كانت أليس مستيقظة في سريرها تحدق في السقف بتلك العينين البنيتين اللتين ورثتهما عن فرناندا. كان تياغو يشعر بوخزة كلما رآهما لأنهما تذكرانه بما فقد. اقتربت الشابة ببطء كأن الهواء قد يتحطم. همست مرحبا يا أميرة. وحدث شيء لم يره تياغو منذ أسابيع ابتسمت أليس. لم تكن حركة تلقائية. كانت ابتسامة حقيقية كأنها تتعرف إلى نور. تجمد تياغو مرتبكا يكاد يشعر بالإهانة من جمال اللحظة. لماذا هي ما الذي في هذه الشابة قالت الفتاة دون أن تبعد عينيها عن الطفلة أقبل الوظيفة. متى أبدأ أجاب تياغو بسرعة كأنه يخشى أن يندم ما إن يسمع صوته غدا. في تلك الليلة لم ينم تياغو. كان البيت هادئا لكن رأسه دوامة. لم يكن الأمر أنه لا يثق بها كما لا يثق بالعالم كان شعورا آخر. كأن الشابة تخفي شيئا. أو ربما كان هو خوفه من أن يضع ابنته في يد شخص آخر مجددا. عند الثالثة فجرا اتخذ قرارا جعله يشعر بالقوة والبؤس في الوقت نفسه اشترى كاميرات مراقبة خفية. ست كاميرات صغيرة بحجم قطعة نقدية. لراحة البال قال لنفسه. لحماية أليس. ومع أنه حاول أن يقنع ضميره كان يعرف أنه شيء آخر أيضا إنه عجزه عن الثقة. وصلت الكاميرات فركبها بنفسه كطقس سري. واحدة داخل ساعة في غرفة الجلوس. أخرى في مروحة المطبخ. أخرى مخبأة في قطعة ديكور. وواحدة الأهم داخل خزانة غرفة أليس. ضبطها لتسجل على السحابة ويمكن الوصول إليها من هاتفه. وحين انتهى نظر حوله وشعر بشيء مظلم كأن القصر يحدق إليه. في يوم الاثنين وصلت ليفيا في الوقت المحدد. كان تياغو في مكتبه لكن عقله لم يكن مع الأرقام. فتح تطبيق الكاميرات كمن يفتح جرحا. شاهدها تدخل تضع حقيبتها تربط شعرها وتبدأ التنظيف بكفاءة. لبضع دقائق شعر بالذنب. ربما أبالغ قال لنفسه. ربما هي إنسانة طيبة. ثم بكت أليس. أسقطت ليفيا القماشة فورا وركضت نحو الغرفة. شد تياغو صوته توترا. حملت ليفيا أليس بعناية لم تكن مهنية فحسب بل كانت غريزية. فحصت الحفاض وغيرته بحركات لطيفة. كل شيء كان طبيعيا إلى أن فعلت شيئا لم يفعله أحد من قبل. بدلا من أن تعيدها إلى السرير أو إلى مقعد السيارة حملت الطفلة إلى غرفة الجلوس وفرشت بساط لعب ملونا كان تياغو قد اشتراه ولم يستخدمه. وبنعومة تكاد تكون مقدسة وضعت أليس على بطنها فوق البساط. شعر تياغو أن قلبه سيتفجر. لم يوص أحد بهذا الوضع. ماذا تفعل تمددت ليفيا بجانبها على مستوى عينيها وتحدثت إلى الطفلة كأنها إنسانة كاملة لا شيئا هشا. هيا نلعب يا أميرة. انظري ماذا أحضرت لك. وضعت دمية دب على بعد بضع سنتيمترات أمامها. نظرت أليس إلى اللعبة ثم إلى ليفيا. همست ليفيا تستطيعين حاولي من أجلي. ورأى تياغو ما لا يصدق شدت أليس نفسها. مدت ذراعيها الصغيرتين. لم تصل إلى الدمية في المحاولة الأولى لكن ليفيا لم تحبط. حركت اللعبة أقرب قليلا ثم أبعدتها مجددا تقود الجهد كأنه لعبة. لم يكن الأمر تسلية كان تمرينا تدريبا متخفيا في هيئة حنان. ثم دلكت ليفيا ساقي أليس بحركات دائرية وثنت ركبتيها برفق وهي تغني أغنية قديمة لم يتعرف إليها تياغو. ابتسمت أليس. ثم ضحكت. ضحكت حقا. تلك الضحكة الصافية المضيئة التي لم يسمعها تياغو منذ ما قبل الحادث. ظل تياغو يحدق في الشاشة كأنه يشاهد معجزة مسروقة. استخدمت ليفيا أغطية القدور كمرايا وصنعت وجوها مضحكة. ضحكت أليس بشدة حتى كادت تختنق ضحك طفل
لا يعرف أين يضع كل ذلك الفرح. ثم حدث ما جعل تياغو يسكب قهوته على مكتبه رفعت أليس ذراعيها نحو ليفيا تريد أن تحمل. لم تفعل ذلك منذ الحادث. قبلا كانت حركة تلقائية. بعده كأن شيئا داخلها انطفأ. لكنها الآن هناك في التسجيل كانت تطلب أن تحمل وتطمئن. حملتها ليفيا وهدأتها بحنان. استكانت أليس بهدوء ومالت برأسها قليلا وهي مطمئنة وأغمضت عينيها مسترخية تماما. واثقة تماما. أطفأ تياغو الهاتف بيدين مرتجفتين كأن ما رآه كان شديد الخصوصية. كان الأمر غريبا ركب كاميرات ليبحث عن خطر فوجد حبا. على مدى ثلاثة أيام راقب التسجيلات بهوس. وفي كل يوم كانت حيرته تكبر. ليفيا لم تكن موظفة عادية. حركاتها كانت تقنية أكثر مما ينبغي. طريقة وضع جسد أليس طريقة تحفيز ردود أفعالها تحويل كل لعبة إلى علاج كل شيء كان يتحدث عن خبرة. في ليلة الخميس لم يعد تياغو يحتمل. فتح حاسوبه وكتب الاسم الكامل الذي ظهر في الأوراق ليفيا مارتينز سيلفا. وما وجده قطع أنفاسه ملف قديم على لينكدإن. طالبة علاج طبيعي في الجامعة الفيدرالية في ساو باولو. السنة الأخيرة قبل ثلاث سنوات. وجد أيضا ذكرا لها في مجموعة أكاديمية ومقالا عن إعادة تأهيل الأطفال شاركت في تأليفه. ثم لا شيء. اختفى أثرها الرقمي كأن حياتها مسحت من الإنترنت. لماذا تعمل طالبة علاج طبيعي شبه متخرجة كمنظفة يوم الجمعة عاد تياغو مبكرا. دخل البيت عند الثالثة بعد الظهر فوجد مشهدا كسر قلبه كانت ليفيا جالسة على الأريكة وأليس نائمة إلى جوارها. كانت يد الطفلة ممسكة بطرف قميص ليفيا ورأسها مستندا بخفة وهي تشعر بالأمان كأن ذلك المكان هو البيت. وقف تياغو يحدق لا يعرف هل يقاطع
أم يبكي. رفعت ليفيا نظرها بدهشة. سيد تياغو لم أتوقع أن تعود باكرا. ابتلع ريقه. نحتاج أن نتحدث. و ناديني تياغو. أومأت ليفيا ثم أنزلت أليس برفق كي لا تستيقظ. لماذا لم تخبريني أنك درست العلاج الطبيعي تبدل لون وجه ليفيا إلى الشحوب. نظرت إلى أليس كأن الطفلة تستطيع أن تمنحها شجاعة. كيف كيف عرفت لا يهم. المهم أنك هنا وتؤدين عملا أنت بارعة فيه وأخفيته. لماذا ظلت ليفيا صامتة مدة طويلة حتى ظن تياغو أنها لن تجيب. ثم انحدرت دمعة على خدها. لأنني لو قلت ذلك لكنت وظفتني كمعالجة طبيعية لا كمنظفة. وأنا لست معالجة. تركت الجامعة. لماذا تركتها أخذت ليفيا نفسا عميقا كأنها تدخل الألم إلى جسدها. والداي ماتا. تعرضا لهجوم في طريق عودتهما أطلق عليهما الرصاص. كنت في فصلي الأخير. ومن دونهما لم أستطع دفع التكاليف. حاولت العمل والدراسة لكن لم أستطع. كان علي أن أختار. شعر تياغو كأن ضربة أصابت صدره. أراد أن يقول شيئا صحيحا شيئا يواسي لكن الحزن لا يواسى بالكلمات. أنا آسف جدا قالت وهي تمسح وجهها بظهر يدها ليس هذا فقط. كان لدي أخ أصغر. غابرييل. ولد مصابا بالشلل الدماغي. عاش ثلاث سنوات فقط لكنها كانت أهم ثلاث سنوات في حياتي. حدق تياغو فيها بعينين متسعتين كأن البيت كله توقف. اعتنيت به منذ كان رضيعا. تعلمت التدليك والتحفيز والتمارين حتى قبل الجامعة. كانت أمي تعمل طوال اليوم. أنا كنت معه. نظرت ليفيا إلى أليس بحنان يمزق القلب. عندما رأيت الإعلان طفلة لديها شلل في ساقيها عرفت أن علي أن آتي. لا من أجل المال. ولا من أجل الوظيفة. انكسر صوتها لأنني خذلت أخي. مات ولم أستطع إنقاذه. لكن ربما ربما أستطيع مساعدة أليس. كان الصمت في الغرفة ثقيلا كأن الحزن له وزن مادي. نظر تياغو إلى ابنته النائمة قرب ليفيا. أليس لم تكن تنام هكذا مع أحد غيره. والآن مع ليفيا كانت تستسلم بلا خوف. تمتم تياغو إذن أنت لست هنا بالصدفة. لا أكدت ليفيا وهي تنظر إليه مباشرة. أنا هنا لأن أليس تحتاجني وربما أنا أحتاجها أيضا. شعر تياغو أن شيئا بدأ يتحرك في داخله. لم تكن مجرد امتنان. كان احتراما. وكان ذلك الإحساس الغريب بأن نورا دخل بيتا مظلما. الأسابيع التالية غيرت حياة الثلاثة. ذاب التوتر بين صاحب العمل والموظفة ومن دون أن ينتبهوا بنوا تواطؤا صامتا. لم يعترف تياغو بالكاميرات. ذلك السر كان يحرقه كجمر في عروقه لكنه لم يعد يراقب للتجسس. صار يراقب ليفهم. ليتعلم. ليعجب. ولكي ينظر إلى ليفيا. لأنه كان من المستحيل ألا يراها. كيف تغني وهي تدرب. كيف تحتفل بكل تقدم صغير لدى أليس كأنه بطولة. كيف تخاطب الطفلة بكرامة كأن جسدها ليس مشكلة بل طريق. خلال أربعة أسابيع لم تعد أليس الطفلة الخاملة في سريرها. صارت تزحف حول الغرفة مستخدمة ذراعيها. صار جذعها أقوى. صار لديها طاقة. والأدهى صارت تضحك. بدأ البيت يصدر صوتا مختلفا. لم يعد متحفا. صار بيتا. وفي عصر ما عاد تياغو عند الخامسة ورأى مشهدا صدمه. كانت ليفيا تستعد للمغادرة. حملت حقيبتها على كتفها. رأتها أليس على السجادة فانفجرت في بكاء كأن العالم ينهار. لم يكن بكاء دلع. كان يأسا حقيقيا. زحفت أليس نحوها تمد ذراعيها الصغيرة تنتحب. ثم قالت كلمة واضحة كاملة مستحيلة ماما! ماما! انحنت ليفيا فورا ورفعت أليس برفق. تمسكت أليس بها بقوة وألصقت وجهها بقربها كأنها تخشى أن تختفي. نظرت ليفيا إلى تياغو بعينين دامعتين لا تعرف ماذا تقول. شعر تياغو بحلقه يضيق. إنها تحبك همس. كما تحب الابنة أمها. لم تجب ليفيا. اكتفت بتهدئتها والبقاء بقربها حتى هدأت. منذ ذلك الحين بدأ تياغو يترك لها ملاحظات في المطبخ شكرا لأنك تعتنين بها بهذه الروعة. ثم جاءت الهدايا الصغيرة كتاب في علاج الأطفال الطبيعي كانت قد ذكرته وشال لأيام البرد وشوكولاتة. وكانت ليفيا ترد بابتسامات خجولة وبإشارات أشد حميمية تعد له عشاء تترك الطعام جاهزا كأنها ترعاه دون أن تطلب إذنا. وبدأ تياغو يفكر فيها حين لا تكون موجودة. وجد نفسه يتخيل وجهها حين تستيقظ. وجد نفسه يتساءل هل تفكر فيه هي أيضا وفي الليل حين كان الذنب ينهشه كان يفتح التسجيلات لا من أجل أليس بل من أجل ليفيا ابتسامتها وكيف يضيء وجهها عندما تحقق أليس شيئا. وفي ليلة ما وهو يشاهد ليفيا تضحك أليس شعر تياغو بشيء أفزعه لم يكن امتنانا فقط. كان انجذابا. كان رغبة. كان حاجة لأن يكون قريبا منها أن يسمع صوتها دون شاشة أن يلمس يدها. كان حبا يولد في المكان الذي أقسم أنه لن يبقى فيه شيء. خاف من نفسه. كيف أشعر بهذا بهذه السرعة أي رجل أنا هل أخون فرناندا كان الذنب ظلا لا يتركه يتنفس. وبينما كان يصارع هذه الأفكار كان القدر يجهز ضربته. كان يوم خميس ماطر في يونيو حين انهار كل شيء. عاد تياغو مبكرا عند الرابعة وشعر بصمت مريب. كانت أليس نائمة لكن الهواء متوتر. بحث عن ليفيا فوجدها محبوسة في الحمام. سمع نشيجا. طرق الباب ليفيا هل أنت بخير صمت. ثم انفتح الباب. كانت عيناها حمراوين وفي يدها ورقة مجعدة. حاولت أن تتماسك. آسفة لا ينبغي أن أبكي في العمل. خطف تياغو الورقة قبل أن تخفيها. كانت إشعار إخلاء سبعة أيام للمغادرة.
هل أنت متأخرة في الإيجار أومأت ليفيا بخجل. ثلاثة أشهر. حاولت التفاهم لكن المالك لا يريد. شعر تياغو بأن شيئا انكسر داخله. فكرة أن تصبح ليفيا في مأوى وحيدة وضعيفة ضغطت صدره. قال بلا تفكير اسكني هنا. تراجعت ليفيا كأن العرض إهانة. لا. أنا لست صدقة. ليست صدقة. هذا منطقي. وفي كلمة منطقي أخفى تياغو ما لم يجرؤ على قوله أن أليس ليست وحدها من تحتاجها. هو يحتاجها أيضا. نظرت إليه ليفيا ولأول مرة بدا صوتها مختلفا. سألها وأنت هل تحتاجينني تعلقت الكلمة في الهواء ثقيلة حية. رأى في عينيها الارتباك نفسه الذي بداخله. اقتربا دون أن ينتبها يتنفسان الهواء ذاته. شم تياغو عطرها البسيط الزهري. رأى علامة صغيرة في عنقها لم يلاحظها من قبل. انفرجت شفتاها قليلا ثم بكت أليس من الغرفة كأن القدر نفسه طرق الباب. انفجرت الفقاعة. تراجعت ليفيا بخجل وذهبت إلى الطفلة. وهناك في تلك الغرفة تحطمت الحقيقة على رؤوسهم. في زاوية ضيقة ومض ضوء صغير. اقتربت ليفيا عقدت حاجبيها لمست القاعدة واكتشفت الكاميرا. تسرب الجليد إلى دمها. فتشت البيت. وجدت أخرى في الساعة. وأخرى في المطبخ. كلها موجهة إلى الأماكن التي كانت فيها مع أليس. عندما دخل تياغو الغرفة كانت ليفيا تمسك كاميرا في يدها. كان وجهها شاحبا وعيناها تقدحان غضبا. كنت تراقبني طوال هذا الوقت. لم يكن سؤالا. كان تقريرا. شعر تياغو أن الأرض اختفت. ليفيا أنا قاطعته وهي ترتجف ماذا كنت ستشرح أنك ادعيت الثقة بينما تتجسس علي أن كل شيء قلته لك كنت تعرفه أنك حققت في أمري كنت بحاجة أن أتأكد أن أليس صرخت وأنا فتحت قلبي لك! كنت أظن أن هناك شيئا حقيقيا وكان كذبا. أنت لم تثق بي أبدا. رمت ليفيا الكاميرا
على الأريكة وذهبت إلى غرفة النوم تجمع أغراضها. لحقها تياغو يتوسل ويحاول أن يشرح أنه خوف وصدمة وألم لكنها لم تستمع. كانت تحشو ملابسها في الحقيبة ويداها ترتجفان الدموع تنهمر على وجهها. استيقظت أليس على الضجيج. رأت ليفيا تحمل حقيبة فصرخت ماما! ماما! اخترقت الصرخة جسد تياغو. ركعت ليفيا وطبعت لمسة حنان على جبين الطفلة. همست سامحيني يا أميرة. ثم نظرت إلى تياغو بعينين ممتلئتين ألما. وقعت في حبك ووقعت في حب ابنتك. لكنني لا أستطيع البقاء مع شخص لا يثق بي. ثم رحلت. أغلق الباب. ولأول مرة منذ وفاة فرناندا شعر تياغو أنه يفقد شيئا حيا. شيئا بدأ يشفيه. كانت الأيام الثلاثة التالية الأسوأ في حياتهما. انهارت أليس. توقفت عن الأكل توقفت عن النوم. كانت تبكي وتبحث عن ليفيا في كل غرفة. وفي الليل كانت تستيقظ تصرخ ماما وحين ترى تياغو وحده تبكي أكثر بلا عزاء. حاول تياغو توظيف موظفات جديدات. كان الأمر كارثة. أليس رفضتهن جميعا. صرخت في وجه واحدة وتراجعت حتى ارتطم رأسها. وأمام أخرى اكتفت بإغلاق عينيها كأنها تستطيع محو وجودها. في الشركة كان تياغو شبحا. غاب عن اجتماعات وقع أوراقا دون قراءة ارتكب أخطاء. استدعاه شركاؤه لاجتماع عاجل. قالوا له تحتاج إلى مساعدة مختصة. لك وللطفلة. لكن تياغو كان يعرف الحقيقة لم تكن مشكلة طبية. كانت حدادا. كانت فقدا. كانت حبا كسر بسبب انعدام الثقة. وفي ليلة بلا نوم وهو يشاهد التسجيلات القديمة كأنه يعاقب نفسه اعترف أليس ليست وحدها من يفتقد ليفيا. هو يفتقدها أيضا. وبوضوح مؤلم فهم أنه يحبها وأنه دفعها بعيدا خوفا. في اليوم الرابع ترك أليس عند والدته وخرج يبحث عنها. كان لديه العنوان القديم. قال له مالك الشقة وهو رجل فظ إن ليفيا ذكرت مأوى في الجزء الشرقي من المدينة. زار تياغو أربعة ملاجئ حتى وجدها. كانت جالسة على سرير بطابقين أنحف وتحت عينيها هالات داكنة عميقة. وفي يدها صورة. تعرف تياغو على الصورة من بعيد كانت صورة أليس الصورة نفسها التي طبعها وتركها على الثلاجة. انكسر قلبه. ليفيا قال وخرج الاسم من فمه كأنه حكم. رفعت نظرها بدهشة ثم أشاحت بوجهها كأن رؤيته ألم جسدي. لا ينبغي أن تكون هنا. ركع تياغو غير مبال بالأرض ولا بنظرات الناس. أليس لا تأكل. لا تنام. إنها تموت من دونك. وانكسر صوته. وأنا أيضا. هزت ليفيا رأسها. وماذا عن الثقة تياغو كيف يمكن لنا ابتلع تياغو ريقه كأنه يتهيأ للاعتراف بخطيئة. أنا أثق بك. ولأول مرة قالها بلا كبرياء. الكاميرات كانت خوفا يتكلم. بارانويا. صدمة. لكن هل تعلمين ماذا كشفت كشفت أنك ألطف وأكثر الناس إخلاصا وأروع إنسانة التقيتها. وأن ابنتي تحبك وأنني وانغلق حلقه. وأنني أحبك. أغمضت ليفيا عينيها. انهمرت دموعها بلا توقف. لا تقل ذلك لأن لأنني أحبك أنا أيضا. وعندما نظرت إليه كان هناك خوف. لكن انظر إلي يا تياغو. أنا منظفة بلا شهادة بلا عائلة وأنت رجل أعمال غني. كيف سأكون كافية وكيف سأستطيع أن أملأ مكان زوجتك اقترب تياغو خطوة وقال بصدق ثابت. أنت لا تستبدلين أحدا. فرناندا ستبقى دائما جزءا من قصتنا. لكنك أنت فريدة. وأليس لا تحتاج إلى بديل. هي تحتاج إلى ليفيا المرأة التي اختارتها. انهارت ليفيا واقتربت منه وهي ترتجف كأن حياتها تتعلق بتلك اللحظة. فأمسك بيديها بثبات وكأنه يتمسك بفرصة ثانية. في الليلة نفسها عادت ليفيا معه. وعندما فتحت باب القصر كانت أليس بين ذراعي جدتها تبكي بخفوت. لكن ما إن رأت ليفيا حتى اتسعت عيناها كأن الشمس دخلت البيت. مدت ذراعيها وصرخت بوضوح لا يترك مجالا للشك أمي! ركضت ليفيا وحملتها وهي تبكي. تمسكت أليس بها بقوة لافتة وألصقت رأسها بقربها. همست ليفيا أنا هنا يا أميرة. ماما هنا. لن أتركك أبدا. راقب تياغو المشهد وشعر أن صدره امتلأ بالحياة. في تلك الليلة فعل تياغو ما كان ينبغي أن يفعله منذ البداية. أخرج كل كاميرا واحدة تلو الأخرى ووضعها على الطاولة. أريدك أن تفعلي ذلك معي قال وهو يمسك مطرقة. معا حطما كل كاميرا. تناثر المعدن تشقق البلاستيك ومع كل ضربة كان تياغو يشعر أنه يقتل جزءا من عدم ثقته. وعندما انتهيا لم يبق سر. لم يبق إلا أرض مليئة بالحطام وهواء أنقى. استدار تياغو نحوها. انتهى الأمر. لا مراقبة. لا أكاذيب. فقط ثقة. نظرت ليفيا إليه طويلا ثم لامست كفه بكفها في امتنان صامت. كان في عينيهما وعد لا يحتاج إلى كلمات. بعد أيام قدم لها تياغو عرضا لم يبد صدقة بل عرض مستقبل. أريدك أن تكملي دراستك. سأدفع التكاليف. رفضت ليفيا في البداية لكنه أصر بصدق هذا استثمار. لديك موهبة. انظري ماذا فعلت لأليس. كم طفلا يمكنك مساعدته وافقت ليفيا ولكن بشرط واحد. وأنت أيضا ستسمح لنفسك أن تعيش من جديد. بلا ذنب. بلا خوف. حبنا سينمو على وتيرته. ضحك تياغو ضحكة لم يتذكر أنه قادر عليها. على وتيرته إذن. ومضى الوقت وازدهر البيت. واصلت أليس التقدم. كانت ليفيا تدرس والطفلة نائمة وتحول بعد الظهر إلى علاج متخف في هيئة لعب. خفف تياغو عمله وصار أبا حقيقيا لا رجلا منشغلا بدموع مخفية. بعد ثمانية أشهر زينوا الغرفة ببالونات وردية وبيضاء. كان عيد ميلاد أليس عام وسبعة أشهر. كانت الحفلة صغيرة الثلاثة فقط وجدتها ومعالجتان طبيعيتان أصبحتا صديقتين لليفيا. كانت